![]() |
كيف يكون التسامح مفيداً لصحتك؟ تمرّ في حياة كثيرين مواقف يصعب نسيانها: كلمات قاسية، إهانة علنية، أو حادثة مفاجئة تترك أثراً طويلاً. هذه التجارب قد تستمر في تشكيل نظرتنا إلى العالم، وتؤثر في مزاجنا وشعورنا الداخلي. بحسب تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، فإن علماء النفس حاولوا طويلاً فهم سبب بقاء بعض الإساءات عالقة في الذاكرة، وكيف يمكن أن تتحول إلى عبء نفسي مستمر. التسامح ليس مجرد قيمة أخلاقية تشير أبحاث حديثة إلى أن التسامح قد يكون أكثر من مجرد سلوك أخلاقي، بل عامل نفسي مهم. في تحليل واسع شمل أكثر من 200 ألف شخص في 23 دولة، ونُشر في مجلة علمية متخصصة، تبيّن أن الأشخاص الذين يميلون إلى التسامح، ليس فقط في موقف واحد، بل كنمط مستمر، سجّلوا مستويات أعلى من الصحة النفسية والجسدية في مجالات متعددة. ويقول عالم النفس الاجتماعي في جامعة هارفارد ريتشارد كاودن: «المرور بعملية التسامح بشكل معتاد يمكن أن يكون مفيداً لمختلف جوانب حياتنا». ويُعرف هذا التوجه باسم «التسامح كصفة»، وهو مفهوم يزداد حضوراً في الأبحاث الحديثة، مع تأثير محتمل على العلاقات الشخصية وبيئات العمل وحتى التفاعلات بين المجتمعات. ماذا يعني التسامح فعلياً؟ التسامح لا يعني تبرير الأذى أو نسيانه، بل هو قرار واعٍ بالتخلّي عن الغضب والاستياء. الهدف ليس منح الآخر «عفواً مستحقاً»، بل حماية الذات من آثار التمسك بالغضب، الذي قد يمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من الحدث الأصلي. ويختصر مدير «مشروع التسامح» في جامعة ستانفورد، فريد لوسكين، الفكرة بقوله: «التسامح هو أن تتصالح مع كلمة لا». أي تقبّل أن الأمور لم تسر كما كنا نرغب. عندما تتحول الضغائن إلى عبء صحي تشير الدراسات إلى أن عدم التسامح لا يبقى في إطار نفسي فقط، بل قد يرتبط أيضاً بحالة جسدية. فهو يرتبط بـ: القلق الاكتئاب التوتر المزمن إضافة إلى استجابات فسيولوجية مثل ارتفاع الكورتيزول، وارتفاع ضغط الدم، وتوتر العضلات. ويصف الباحثون هذه الحالة بأنها استجابة معقّدة تتضمن مشاعر مثل المرارة والغضب والخوف والرغبة في الانتقام أو الانسحاب. هل يؤثر التسامح على جودة الحياة؟ اعتمدت الدراسة على بيانات من «دراسة الازدهار العالمي»، وهي مشروع بحثي يتابع تغيّرات الصحة النفسية والجسدية عبر الزمن في ثقافات مختلفة. ولقياس التسامح، طُرح على المشاركين سؤال مباشر: «كم مرة سامحت الأشخاص الذين أساؤوا إليك؟» وعند مقارنة الإجابات مع 56 مؤشراً مختلفاً، تبيّن أن الأشخاص الأكثر ميلاً إلى التسامح أبلغوا عن نتائج أفضل بعد عام، خصوصاً في: الصحة النفسية الشعور بالسعادة الإحساس بالمعنى وكانت العلاقة أقل وضوحاً فيما يتعلق بالصحة الجسدية، ما يشير إلى أن تأثير التسامح يظهر بشكل أكبر في المشاعر والعلاقات. مع ذلك، تؤكد الدراسة أن النتائج تُظهر ارتباطاً وليس علاقة سببية مباشرة. هل تختلف ثقافة التسامح بين المجتمعات؟ أظهرت البيانات وجود فروقات بين الدول، إذ سُجّلت مستويات أعلى من التسامح في دول مثل نيجيريا ومصر وإندونيسيا، مقارنة بمستويات أقل في المملكة المتحدة، فيما جاءت الولايات المتحدة في موقع متوسط. ولا يزال الباحثون يدرسون العوامل الثقافية والاجتماعية التي قد تفسّر هذه الفروقات. هل يمكن تعلّم التسامح؟ تشير الأبحاث إلى أن التسامح مهارة يمكن تطويرها. فقد أظهرت برامج تدريبية مخصصة أن تعلم التسامح يمكن أن يساعد في: تقليل أعراض الاكتئاب تعزيز الشعور بالأمل وتُستخدم هذه البرامج في جلسات فردية أو جماعية، كما تتوفر أدوات يمكن للأشخاص استخدامها بشكل مستقل. التسامح كعملية مستمرة لا يحدث التسامح دفعة واحدة، بل هو عملية قد تأتي على مراحل. يؤكد الباحثون أن الإنسان قد يحتاج إلى إعادة العمل على مشاعره أكثر من مرة، وأن التجربة تختلف من شخص إلى آخر. هل يمكن أن يصبح التسامح نهجاً مجتمعياً؟ يتجه بعض الباحثين اليوم إلى دراسة إمكانية تطبيق مفهوم التسامح على نطاق أوسع، من خلال حملات توعية أو برامج تعليمية، بهدف تحسين الصحة النفسية على مستوى المجتمع. ويرى الخبراء أن هذه الخطوة قد تساهم في تعزيز الانسجام داخل الأسر والمجتمعات. الخلاصة التخلّي عن الضغائن لا يعني إنكار الألم، بل إعادة توجيه العلاقة معه. وتشير الأدلة إلى أن التسامح قد يساعد في تحسين الصحة النفسية والعلاقات، ويخفف من آثار التوتر المزمن. وبينما لا يمكن فرضه أو تسريعه، يبقى خياراً شخصياً قد يحمل فوائد تتجاوز اللحظة… وتمتد إلى جودة الحياة على المدى الطويل. |

